ابن قيم الجوزية

557

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

وفي أثر ذكره الإمام أحمد في « الزهد » « 1 » : أنّ موسى قال يا رب : هلّا سوّيت بين عبادك ؟ قال : إني أحببت أن أشكر . فإن قيل : فقد كان من الممكن أن يسوي بينهم في النعم ، ويسوي بينهم في الشكر ، كما فعل بالملائكة ، قيل : لو فعل ذلك ، لكان الحاصل من الشكر نوع « 2 » آخر غير النوع الحاصل منه على هذا الوجه ، والشكر الواقع على التفضيل والتخصيص أعلى وأفضل من غيره ، ولهذا كان شكر الملائكة وخضوعهم وذلهم لعظمته وجلاله ، بعد أن شاهدوا من إبليس ما جرى له ، ومن هاروت وماروت ما شاهدوه ، أعلى وأكمل مما كان قبله ، وهذه حكمة الرب . ولهذا كان شكر الأنبياء وأتباعهم ، بعد أن عاينوا هلاك أعدائهم وانتقام الرب منهم ، وما أنزل بهم من بأسه ، أعلى وأكمل . وكذلك شكر أهل الجنة في الجنة ، وهم يشاهدون أعداءه المكذّبين لرسله المشركين به في ذلك العذاب ، فلا ريب أن شكرهم ، حينئذ ورضاهم ومحبتهم لربهم ، أكمل وأعظم مما لو قدّر اشتراك جميع الخلق في النعيم ، فالمحبة الحاصلة من أوليائه له والرضا والشكر وهم يشاهدون بني جنسهم في ضد ذلك من كل وجه أكمل وأتم . فالضد يظهر حسنه الضد ، وبضدها تتبين الأشياء . ولولا خلق القبيح ، لما عرفت فضيلة الجمال والحسن . ولولا خلق الظلام لما عرفت فضيلة النور . ولولا خلق أنواع البلاء لما عرف قدر العافية . ولولا الجحيم لما عرف قدر الجنة . ولو جعل اللّه سبحانه النهار سرمدا لما عرف قدره . ولو جعل الليل سرمدا

--> ( 1 ) كتاب « الزهد » ص بتحقيقنا . ( 2 ) الوجه الأعرابي أن تكون ( نوعا ) إلا إذا قدر الضمير ( هو ) .