ابن قيم الجوزية
547
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
جاحدا ، ولكل صواب معاندا ، كما أقام لكل نعمة حاسدا ، ولكل شر رائدا ، وهذا من تمام حكمته الباهرة وقدرته القاهرة ، ليتم عليهم « 1 » كلمته وينفذ فيهم مشيئته ويظهر فيهم حكمته ، ويقضي بينهم بحكمه ، ويفاضل بينهم بعلمه ، ويظهر فيهم آثار صفاته العليا وأسمائه الحسنى ، ويتبين لأوليائه وأعدائه يوم القيامة أنه لم يخل لحكمة ، ولم يخلق خلقه عبثا ، ولا يتركهم سدى ، وأنه لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا ، وأن له الحمد التام الكامل على جميع ما خلقه وقدره وقضاه ، وعلى ما أمر به ونهى عنه ، وعلى ثوابه وعقابه ، وأنه لم يضع من ذلك شيئا إلا في محله الذي لا يليق به سواه ، قال تعالى : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 38 ) لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ ( 39 ) [ النحل ] وإذا تبين لأهل الموقف ، ونفذ فيهم قضاؤه الفصل وحكمه العدل ، نطق الكون أجمعه بحمده كما قال تعالى : وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 75 ) [ الزمر ] وجواب هذه الأسئلة من وجوه . أحدها : أنّ الحكمة إنما تتعلق بالحدوث والوجود والكفر والشرور ، وأنواع المعاصي راجعة إلى مخالفة نهي اللّه ورسوله ، وترك ما أمر به ، وليس ذلك من متعلق الإيجاد في شيء ، ونحن إنما التزمنا أن ما فعله اللّه وأوجده ، فله فيه حكمة وغاية مطلوبة ، وأما ما تركه سبحانه ، ولم يفعله ، فإنه وإن كان إنما تركه لحكمة في ذلك ، فلم يدخل في كلامنا ، فلا يرد علينا ، وقد قيل : إنّ الشرّ ليس إليه بوجه ، فإنه عدم الخير وأسبابه ، والعدم ليس بشيء كاسمه ، فإذا قلنا : إن أفعال الرب تعالى واقعة بحكمة وغاية محمودة ، لم يرد علينا تركه ، يوضحه :
--> ( 1 ) تحرفت في المطبوع إلى : « عليه » .