ابن قيم الجوزية
540
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
وأشياء غير معللة ، بل مرادة لذاتها ؟ وإذا جاز هذا ، جاز أن يقال : إن هذه الوسائط غير معللة ، ولا يمكنك نفي هذا القسم إلا بأن تقول : إن شيئا من أفعاله غير معلل البتة ، وأنت إنما نفيت هذا بلزوم العبث في توسط تلك الأمور ، ولا يلزم من انتفاء التعليم في بعض الأفعال انتفاؤه في الجميع ، فإنه لا يجب أن يكون كلّ شيء لعلة ، فأنت نفيت جواز التعليل . وغاية هذه الحجة لو صحت ، أن تدل على أنه لا يجب في كل شيء ، أن يكون لعلة ، فلم يثبت الحكم والدليل ، وهذا كما يقول الفقهاء مع قولهم بالتعليل : إن من الأحكام ما يفيد غير معلل . فهلّا قلت في الخلق كقولهم في الأمر ؟ وهذا إنما هو بطريق الإلزام ، وإلا فالحق أن جميع أفعاله وشرعه لها حكم وغايات ، لأجلها شرع وفعل ، وإن لم يعلمها الخلق على التفصيل ، فلا يلزم من عدم علمهم بها انتفاؤها في نفسها . الجواب السابع : أن غاية هذه الشبهة أن يكون سبحانه قادرا على تحصيل تلك الحكم بدون تلك الوسائط كما هو قادر على تحصيلها بها ، وإذا كان الأمران مقدورين له ، لم يكن العدول عن أحد المقدورين إلى الآخر عبثا إلا إذا كان المقدور الآخر مساويا لهذا من كل وجه ، ولا يمكن عاقلا أن يقول : إنّ تعطيل تلك الوسائط وعدمها مساو من كل وجه لوجودها ، وهذا من أعظم البهت وأبطل الباطل ، وهو يتضمن القدح في الحس والعقل والشرع ، كما هو قدح في الحكمة ، فإنّ من جعل وجود الرسل وعدمهم سواء ، ووجود الشمس والقمر والنجوم والمطر والنبات والحيوان وعدمها سواء ، ووجود هذه الوسائط جميعا وعدمها سواء ، فلم يدع للمكابرة موضعا . الجواب الثامن : قولك : جميع الأغراض يرجع حاصلها إلى شيئين : تحصيل اللذة ، ودفع الهم والحزن . أتريد به الغرض الذي يفعل لأجلها الحيوان ، أو الحكمة التي يفعل اللّه سبحانه لأجلها ، أم تريد به ما هو أعم