ابن قيم الجوزية
527
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
موجبة ، يقرون بذلك ، ويقولون : إنه يحدث الحوادث بواسطته ، وحينئذ فنقول : هذا الإحداث إما أن يكون صفة كمال ، وإما أن لا يكون ، فإن كان صفة كمال ، فقد كان فاقدا لها قبل ذلك ، وإن لم يكن صفة كمال ، فقد اتصف بالنقص . فإن قلت : نحن نقول بأنه ليس صفة كمال ولا نقص . قيل : فهلّا قلتم في ذلك التعليل ؟ وأيضا فهذا محال في حق الرب تعالى ، فإن كل ما يفعله يستحق عليه الحمد ، وكل ما يقوم من صفاته فهو صفة كمال ، وضده نقص ، وقد ينازع النّظّار في الفاعلية ، هل هي صفة كمال أم لا ، وجمهور المسلمين من جميع الفرق يقولون : هي صفة كمال . وقالت طائفة : ليست صفة كمال ولا نقص ، وهو قول أكثر الأشعرية ، فإذا التزم له هذا القول ، قيل له : الجواب من وجهين . أحدهما : أن من المعلوم تصريح العقل ، أن من يخلق أكمل ممن لا يخلق ، كما قال تعالى : أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 17 ) [ النحل ] وهذا استفهام إنكار ، يتضمن الإنكار على من سوّى بين الأمرين ، يعلم أن أحدهما أكمل من الآخر قطعا ، ولا ريب أن تفضيل من يخلق على من لا يخلق في الفطر والعقول كتفضيل من يعلم على من لا يعلم ، ومن يقدر على من لا يقدر ، ومن يسمع ويبصر على من لا يسمع ولا يبصر ؛ ولما كان هذا مستقرا في فطر بني آدم ، جعله اللّه تعالى من آلة توحيده وحججه على عباده قال تعالى : وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 76 ) [ النحل ] وقال تعالى : هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ( 9 ) [ الزمر ] وقال تعالى : وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ ( 19 ) وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ ( 20 ) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ ( 21 ) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ ( 22 ) [ فاطر ] وقال