ابن قيم الجوزية
514
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
وتعطيل لها ، وكان شيخ هذا المذهب جهم بن صفوان يقف على الجذامي « 1 » ، ويشاهد ما هم فيه من البلايا ، ويقول : أرحم الراحمين يفعل مثل هذا ؟ ! يعني أنه ليس ثمّ رحمة في الحقيقة ، وإن الأمر راجع إلى محض المشيئة الخالية عن الحكمة والرحمة ، ولا حكمة عنده ولا رحمة ، فإن المشيئة الخالية عن الحكمة والرحمة ، ولا حكمة عنده ولا رحمة ، فإن الرحمة لا تعقل إلا من فعل من يفعل الشيء لرحمة غيره ونفعه والإحسان إليه ، فإذا لم يفعل لغرض ولا غاية ولا حكمة ، لم يفعل الرحمة والإحسان . فصل النوع العشرون : جوابه سبحانه لمن سأل عن التخصيص والتمييز الواقع في أفعاله بأنه لحكمة يعلمها هو سبحانه ، وإن كان السائل لا يعلمها ، كما أجاب الملائكة لما قال لهم : إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ( 30 ) [ البقرة ] فقالوا : أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ( 30 ) [ البقرة ] فأجابهم بقوله : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 30 ) [ البقرة ] ولو كان فعله مجردا عن الحكم والغايات والمصالح ، لكان الملائكة أعلم به إن سألوا هذا السؤال ، ولم يصح جوابهم بتفرده بعلم ما لا يعلمونه من الحكم والمصلحة التي في خلق هذا الخليفة ، ولهذا كان سؤالهم إنما وقع عن وجه الحكمة ، لم يكن اعتراضا على الرب تعالى . ولو قدّر أنه على وجه الاعتراض ، فهو دليل على علمهم أنه لا يفعل شيئا إلا لحكمة ، فلما رأوا أن خلق هذا الخليفة مناف للحكمة في الظاهر ، سألوه
--> ( 1 ) المصابون بالجذام ( مرض ) .