ابن قيم الجوزية
5
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
مقدمة بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير الأنام وإمام المرسلين ، ولا حول ولا قوة إلا باللّه العليّ العظيم ، سبحانك لا علم لنا إلا ما علّمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم . أخي القارئ الكريم ! لقد تشعبت الأهواء في الدنيا ، وصار أهلها شيعا ، فئة تسير وراء المشرّق ، وأخرى وراء المغرّب ، وكلّ يغني على ليلاه ، وطالما كان عدو البشرية الأول - إبليس - حادي الركبان من المشرقين والمغربين ، وكان الرسل يتتابعون بأمر اللّه لتصويب مسار إخوانهم من أولاد آدم عليه السلام إلى أن ختمت الرسالات برسالة سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام ، لكن بفضل اللّه الكريم لم تنقطع أمارات الهداية على مرّ السنين بما حفظ اللّه مما أنزل إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ( 9 ) [ الحجر ] ، وقال حبيبنا محمد صلى اللّه عليه وسلم : « تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ؛ كتاب اللّه وسنتي » ، لكنّ المغرضين والمخربين والمشككين - بقصور عقولهم - المتطلّعين إلى أهداف ، قد تكون سامية ؛ لكن سلك إليها الطرق الوعرة ، وامتطي إليها الذّلول والصعب ، فانحرف أهلها وحرفوا معهم من وقف عليها ، ومنها الدنيئة الساقطة ، وبطبيعة الحال الدرب إلى الساقط ساقط ، فنشأت الفرق والمذاهب والنّحل . ويأبى الذي تكفّل بالحفظ أن يترك الساحة لمن نذر وجوده لما يسيء إلى الخلق . لقد انبرى من الأمة أفذاذ ، ذادوا عن حياض الحقيقة وصرفوا أعمارهم في مقارعة الشرّ ، الحجّة بالحجة والبيان بما هو أنصع وأفصح منه . ومن هؤلاء : ابن القيم رحمه اللّه ، الذي وضع كتاب « شفاء العليل » الذي رأينا أن نخرجه