ابن قيم الجوزية
497
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
فصل النوع الثامن : ذكر الحكم الكوني والشرعي عقيب الوصف المناسب له ، وتارة يذكر بأن ، وتارة يقرن بالفاء ، وتارة يذكر مجردا . فالأول : كقوله : وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ ( 89 ) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ ( 90 ) [ الأنبياء ] . وقوله : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 15 ) آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ ( 16 ) [ الذاريات ] وقوله : كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ( 24 ) [ يوسف ] وقوله : وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ ( 170 ) [ الأعراف ] . والثاني كقوله : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا ( 38 ) [ المائدة ] وقوله : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ( 2 ) [ النور ] وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً ( 4 ) [ النور ] . والثالث : كقوله : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 45 ) [ الحجر ] وقوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ( 277 ) [ البقرة ] وهذا في التنزيل يزيد على عدة آلاف موضع ، بل القرآن مملوء منه ، فإن قيل : هذا إنما يفيد كون تلك الأفعال أسبابا لما رتّب عليها ، لا يقتضي إثبات التعليل في فعل الرب وأمره ، فأين هذا من هذا ؟ قيل : لما جعل الربّ سبحانه هذه الأوصاف عللا لهذه الأحكام وأسبابا لها ، دل ذلك على أنه حكم بها شرعا وقدرا لأجل تلك الأوصاف ، وأنه لم يحكم بها لغير