ابن قيم الجوزية
491
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
من الإيحاء المذكور ، وهو أربعة أمور : غرور من يوحون إليه ، وإصغاء أفئدتهم إليهم ، ومحبتهم لذلك ، وانفعالهم عنده بالاقتراف . وإن كان ذلك تعليلا لجعله سبحانه لكلّ نبيّ عدوا ، فيكون هذا الحكم من جملة الغايات والحكم المطلوبة بهذا الجعل ، وهي غاية وحكمة مقصودة لغيرها ، لأنها مفضية إلى أمور ، هي محبوبة مطلوبة للرب سبحانه ، وفواتها يستلزم فوات ما هو أحبّ إليه من حصولها ، وعلى التقديرين فاللام لام التعليل والحكمة . فصل النوع الثالث : الإتيان بكي الصريحة في التعليل ، كقوله تعالى ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ ( 7 ) [ الحشر ] . فعلّل سبحانه تسمية الفيء بين هذه الأصناف ، كي لا يتداوله الأغنياء دون الفقراء ، والأقوياء دون الضعفاء ، وقوله سبحانه ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ( 22 ) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ( 23 ) [ الحديد ] فأخبر سبحانه أنه قدّر ما يصيبهم من البلاء في أنفسهم قبل أن يبرأ الأنفس أو المصيبة أو الأرض أو المجموع ، وهو الأحسن ، ثم أخبر أنّ مصدر ذلك قدرته عليه ، وأنه يسير عليه ، وحكمته البالغة التي منها أن لا يحزن عباده على ما فاتهم ، إذا علموا أنّ المصيبة فيه بقدره وكتابته ، ولا بد قد كتبت قبل خلقهم ، هان عليهم الفائت ، فلم يأسوا عليه ، ولم يفرحوا بالحاصل ، لعلمهم أن المصيبة مقدرة في كل ما على الأرض ، فكيف يفرح بشيء قد قدّرت المصيبة فيه قبل