ابن قيم الجوزية
466
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
فظهر أنّ دخول الشر في الأمور الوجودية إنما هو بالنسبة والإضافة ، لا أنها من حيث وجودها وذواتها شرّ ، وكذلك السجود ليس هو شرا من حيث ذاته ووجوده ، فإذا أضيف إلى غير اللّه كان شرا بهذه النسبة والإضافة ، وكذلك كلّ ما وجوده كفر وشرك ، إنما كان شرا بإضافة إلى ما جعله كذلك ، كتعظيم الأصنام ، فالتعظيم من حيث هو تعظيم لا يمدح ولا يذم إلا باعتبار متعلّقه ، فإذا كان تعظيما للّه وكتابه ودينه ورسوله ، كان خيرا محضا ، وإن كان تعظيما للصنم وللشيطان ، فإضافته إلى هذا المحل جعلته شرا . كما أنّ إضافة السجود إلى غير اللّه جعلته كذلك . فصل ومما ينبغي أن يعلم أنّ الأشياء المكونة من موادها شيئا فشيئا كالنبات والحيوان إما أن يعرض لها النقص الذي هو شرّ ، في ابتدائها أو بعد تكونها ، فالأول هو بأن يعرض لمادتها من الأسباب ما يجعلها رديّة المزاج ناقصة الاستعداد ، فيقع الشر فيها والنقص في خلقها بذلك السبب ، وليس ذلك بأنّ الفاعل حرمه وأذهب عنه أمرا وجوديا به كماله ، بل لأن المنفعل لم يقبل الكمال والتمام ، وعدم قبوله أمر عدمي ، ليس بالفاعل ، وأما الذي بالفاعل فهو الخير الوجوديّ الذي يتقبل به كماله وتمامه ، ونقصه والشر الذي حصل فيه هو من عدم إمداده بسبب الكمال ، فبقي على العدم الأصلي ، وبهذا يفهم سرّ قوله تعالى : ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ ( 3 ) [ الملك ] فإن ما خلقه فهو أمر وجودي به كمال المخلوق وتمامه ، وأما عيبه ونقصه فمن عدم قبوله ، وعدم القبول ليس أمرا مخلوقا ، يتعلق بفعل الفاعل ، فالخلق