ابن قيم الجوزية

461

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

والزبالة ، إذ هذا محلها . ومن أسمائه سبحانه : العدل والحكيم الذي لا يضع الشيء إلا في موضعه ، فهو المحسن الجواد الحكيم العدل في كل ما خلقه ، وفي كل ما وضعه في محله ، وهيّأه له ، وهو سبحانه له الخلق والأمر ، فكما أنه في أمره لا يأمر إلا بأرجح الأمرين ، ويأمر بتحصيل المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها ، وإذا تعارض أمران ، رجح أحسنهما وأصلحهما . وليس في الشريعة أمر يفعل إلا ووجوده للمأمور خير من عدمه ، ولا نهي عن فعل إلا وعدمه خير من وجوده . فإن قلت : فإذا كان وجوده خيرا من عدمه ، فكيف لا يشاء وجوده ؟ فإذا كان عدمه خيرا من وجوده فكيف يشاء وجوده ؟ فالمشيئة العامة تنقض عليك هذه القاعدة الكلية . قلت : لا تنقضها لأنّ وجوده وإن كان خيرا من عدمه ، فقد يستلزم وجوده فوات محبوب له ، هو أحبّ إليه من وقوع هذا المأمور ، من هذا المعنى . وعدم المنهي وإن كان خيرا من وجوده ، فقد يكون وجوده وسيلة وسببا إلى ما هو أحب إليه من عدمه ، وسيأتي تمام تقرير ذلك في باب اجتماع القدر والشرع وافتراقهما ، إن شاء اللّه . والرب سبحانه إذا أمر بشيء ، فقد أحبّه ورضيه وأراده وبيّنه ، وهو لا يحب شيئا إلا ووجوده خير من عدمه ، وما نهى عنه فقد أبغضه وكرهه ، وهو لا يبغض شيئا إلا وعدمه خير من وجوده ، هذا بالنظر إلى ذات هذا وهذا . وأما باعتبار إفضائه إلى ما يحب ويكره ، فله حكم آخر ، ولهذا أمر سبحانه عباده أن يأخذوا بأحسن ما أنزل إليهم ، فالأحسن هو المأمور به ، وهو خير من المنهيّ عنه ، وإذا كانت هذه سنّته في أمره وشرعه ، فهكذا سنته في خلقه