ابن قيم الجوزية

46

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

قلبه معنى قوله لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( 28 ) [ التكوير ] مع قوله وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ( 29 ) [ التكوير ] وقوله كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ( 54 ) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ( 55 ) وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ( 56 ) [ المدثر ] . فمن الناس من يتّسع قلبه لهذين الشهودين ، ومنهم من يضيق قلبه عن اجتماعهما ، بقوة الوارد عليه وضعف المحل ، فيغيب بشهود العبودية والكسب وجهة الطاعة والمعصية عن شهود الحكم القائم بالرب تعالى من غير إنكار له ، فلا يظهر عليه إلا أثر الفعل وحكمه الشرعي ، وهذا لا يضره إذا كان الإيمان بالحكم قائما في قلبه ، ومنهم من يغيب بشهود الحكم وسبقه وأولية الرب تعالى وسبقه للأشياء عن جهة عبوديته وكسبه وطاعته ومعصيته ، فيغيب بشهود الحكم عن المحكوم به فضلا عن صفته ، فإذا لم يشهد له فعلا فكيف يشهد كونه حسنا أو قبيحا ، وهذا أيضا لا يضره إذا كان علمه بحسن الفعل وقبحه قائما في قلبه ، وإنما توارى عنه لاستيلاء شهود الحكم على قلبه ، وباللّه التوفيق . فأين هذا من احتجاج أعداء اللّه بمشيئته وقدره على إبطال أمره ونهيه ، وعبّاد هؤلاء الكفرة يشهدون أفعالهم كلها طاعات لموافقتها المشيئة السابقة ، ولو أغضبهم غيرهم ، وقصّر في حقوقهم لم يشهدوا فعله طاعة مع أنه وافق فيه المشيئة ، فما احتجّ بالقدر على إبطال الأمر والنهي إلا من هو من أجهل الناس وأظلمهم وأتبعهم لهواه . وتأمّل قوله سبحانه بعد حكايته عن أعدائه واحتجاجهم بمشيئته وقدره على إبطال ما أمرهم به رسوله ، وأنه لولا محبته ورضاه به لما شاءه منهم قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 149 ) [ الأنعام ] فأخبر سبحانه أنّ الحجة له عليهم برسله وكتبه وبيان ما ينفعهم ويضرهم وتمكنهم من الإيمان بمعرفة أوامره ونواهيه ، وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول ، فثبتت حجته