ابن قيم الجوزية

450

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

أفعالنا الاختيارية إلى إرادتنا وقدرتنا ، وإنا إذا أردنا الحركة يمنة لم تقع يسرة . وبالعكس ، فهذه الحجة لا يمكن دفعها ، والجمع بين الحجتين هو الحق ، فإن اللّه سبحانه خالق إرادة العبد وقدرته ، وجاعلهما سببا لإحداثه الفعل ، فالعبد محدث لفعله بإرادته واختياره وقدرته حقيقة ، وخالق السبب خالق للمسبّب ، ولو لم يشأ سبحانه وجود فعله ، لما خلق له السبب الموجد له . فقال الفريقان للسني : كيف يكون الرب تعالى محدثا لها والعبد أيضا ؟ . قال السني : إحداث اللّه سبحانه لها بمعنى أنه خلقها منفصلة عنه ، قائمة بمحلها ، وهو العبد ، فجعل العبد فاعلا لها بما أحدث فيه من القدرة والمشيئة ، وإحداث العبد لها بمعنى أنها قامت به ، وحدثت بإرادته وقدرته ، وكلّ من الإحداثين مستلزم للآخر ، ولكن جهة الإضافة مختلفة ، فما أحدثه الربّ سبحانه من ذلك فهو مباين له قائم بالمخلوق مفعول له لا فعل ، وما أحدثه العبد فهو فعل له ، قائم به يعود إليه حكمه ، ويشتق له منه اسمه ، وقد أضاف اللّه سبحانه كثيرا من الحوادث إليه ، وأضافها إلى بعض مخلوقاته كقوله : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها ( 42 ) [ الزمر ] وقال : * قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ( 11 ) [ السجدة ] وقال : تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا ( 61 ) [ الإنعام ] وقال : سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ( 151 ) [ آل عمران ] وقال : يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ( 27 ) [ إبراهيم ] ، وقال : وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ ( 113 ) [ النساء ] وقال : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ( 102 ) [ النحل ] وقال : فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ ( 113 ) [ النحل ] فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ ( 41 ) [ المؤمنون ] وقال : فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ ( 40 ) [ العنكبوت ] فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ( 42 ) [ القمر ] . وهذا كثير ، فأضاف هذه الأفعال إلى نفسه إذ هي واقعة بخلقه ومشيئته وقضائه ، وأضافها إلى أسبابها ، إذ هو الذي جعلها أسبابا ، لحصولها بين