ابن قيم الجوزية
44
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
عن اصطلام العبد لغلبة وجود الحق وقوة العلم به في العبد فيزيد بذلك يقينه به ومعرفته به وبصفاته سبحانه فيذهل بذلك كما يذهل الإنسان في أمر عظيم دهمه ، فإنه ربما غاب عن شعوره بما دهمه من الأمور المهمة . مثاله : رجل وقف بين يدي سلطان عظيم قاهر من ملوك الأرض ، فأذهله ما يلاحظه من هيبته وسلطانه عن كثير مما يشعر به ، وهذا تقريب والأمر فوق ذلك ، فكيف بمن أشهده اللّه عز وجل فردانيته حيث كان ولا شيء معه فرأى الأشياء مواتا لا قوام لها إلا بقدرته ، فشهدها خيالا كالهباء بالنسبة إلى وجود الحق تعالى ، وذلك في البصائر القلبية بالكشف الصحيح بعد التصفية والتدرب في القيام بأعباء الشريعة وحمل أثقالها والتخلق بأخلاقها ، وصفّى اللّه عبده من درنه ، ويكشف لقلبه فيرى حقائق الأشياء ، فمتى تجلّت على العبد أنوار المشاهدة الحقيقية الروحية الدالة على عظمة الفردانية ، تلاشى الوجود الذي للعبد واضمحل كما يتلاشى الليل إذا أسفر عليه الصباح ، ويكون العبد في ذلك آكلا شاربا ، فلا يظهر عليه شيء مغاير لما اعتاده ؛ لكن يزداد إيمانه ويقينه حتى ربما غطى إيمانه عن قلبه كل شيء في أوقات سكره ، ويبقى وجوده كالخيال قائما بالعبودية في حضرة ذي الجلال ، وتعود عليه البصائر الصحيحة في معرفة الأشياء عند صحوه ثم يزول عنه عدم التمييز ويقوى على حاله فيتصرف ، وذلك هو البقاء بحيث يتصرف في الأشياء ولا يحجب عنه ما وجده من الإيمان والإيقان في حال البقاء ، بل يعود عليه شعوره الأول بوجود آخر يتولاه اللّه عز وجل مشهده فيه قيامه عليه بتدبيره ، ويصل إلى مقام المراد بعد عبوره على مقام المريد ، فيصير به يسمع وبه ينطق كما جاء في الحديث الصحيح . ووجه آخر : وهو أن الفاني في حال فنائه قبل أن يبلغ إلى مقام البقاء والصحو والتمييز ، فيستر من قلبه محل الزهد والصبر والورع ، لا بمعنى أنّ