ابن قيم الجوزية
419
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
الاختيارية من الطاعات والمعاصي ، لاستوت الإضافة ، ولم يصح الفرق ، وإن افترقا في كون أحدهما مأمورا به والآخر منهيا عنه ، على أنّ النهي أيضا من اللّه ، كما أن الأمر منه ، فلو كانت الإضافة لأجل الأمر ، لاستوى المأمور والمنهيّ في الإضافة ، لأن هذا مطلوب إيجاده ، وهذا مطلوب إعدامه . قال القدري : أنا أجوّز تعلّق الطاعة والمعصية بمشيئة الرب سبحانه وإحداثه ، على وجه الجزاء ، لا على سبيل الابتداء ، وذلك أن اللّه سبحانه يعاقب عبده بما شاء ، ويثيبه ، فكما يعاقبه بخلق الجزاء الذي يسوؤه ، وخلق الثواب الذي يسرّه ، ولذلك يحسن أن يعاقبه بخلق المعصية وخلق الطاعة ، فإن هذا يكون عدلا منه ، وأما أن يخلق فيه الكفر والمعصية ابتداء بلا سبب ، فمعاذ اللّه من ذلك . قال السني : هذا توسّط حسن جدا ، لا يأباه العقل ولا الشرع ، ولكن من ابتدأ الأول ، وليس هو عندك مقدورا للّه ، ولا واقعا بمشيئته ، فقد أثبت في ملكه ما لا يقدر عليه ، وأدخلت فيه ما لا يشاء ، ونقضت أصلك كله ، فإنك أصّلت أنّ فعل العبد الاختياري قدرة العبد عليه واختياره له ، ومشيئته تمنع قدرة الرب عليه ومشيئته له ، وهذا الأصل لا فرق فيه بين الابتدائي والجزائي . قال القدري : فالقرآن قد فرّق بين النوعين ، وجعل الكفر والفسوق الثاني جزاء على الأول ، فعلم أن الأول من العبد قطعا ، وإلا لم يستقم جعل أحدهما عقوبة على الآخر ، وقد صرح بذلك في قوله : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً ( 13 ) [ المائدة ] فأضاف نقض الميثاق إليهم ، وتقسية القلوب إليه ، فالأول سبب منهم ، والثاني جزاء منه سبحانه ، قال تعالى : وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 110 ) [ الأنعام ] فأضاف عدم الإيمان أولا إليهم ، إذ هو السبب ،