ابن قيم الجوزية
415
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
حتى يكتب عند اللّه صدّيقا ، وإياكم والكذب ، فإن الكذب يهدي إلى الفجور ، والفجور يهدي إلى النار ، ولا يزال الرجل يكذب ، ويتحرى الكذب حتى يكتب عند اللّه كذابا » « 1 » . وقد ذكر اللّه سبحانه في غير موضع من كتابه ، أن الحسنة الثانية قد تكون من ثواب الحسنة الأولى ، وأن المعصية قد تكون عقوبة للمعصية الأولى ، فالأول كقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ( 66 ) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً ( 67 ) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 68 ) [ النساء ] وقال تعالى : وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ( 69 ) [ العنكبوت ] وقال : يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 16 ) [ المائدة ] . وأما قوله : وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ ( 4 ) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ ( 5 ) [ محمد ] فيحتمل أن لا يكون من هذا وتكون الهداية في الآخرة إلى طريق الجنة ، فإنه رتب هذا الجزاء على قتلهم ، ويحتمل أن يكون منه ، ويكون قوله : « سيهديهم ويصلح بالهم » إخبارا منه سبحانه عما يفعله بهؤلاء الذين قتلوا في سبيله قبل أن قتلوا ، وأتى به بصيغة المستقبل إعلاما منه بأنه يجدد له كل وقت نوعا من أنواع الهداية . وإصلاح البال شيئا بعد شيء . فإن قلت : فكيف يكون ذلك المستقبل خبرا عن الذين قتلوا ؟ . قلت : الخبر قوله : فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ ( 4 ) [ محمد ] أي : أنه لا يبطلها عليهم ، ولا يترهم إياها ، هذا بعد أن قتلوا ، ثم أخبر سبحانه خبرا مستأنفا عنهم ، أنه سيهديهم ويصلح بالهم ، لما علم أنهم سيقتلون في سبيله ، وأنهم
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 6094 ) ، ومسلم ( 2607 ) عن عبد اللّه بن مسعود .