ابن قيم الجوزية
408
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
قال السني : قد أجابك خصومك من الجبرية عن هذا ، بأنّ العاقل يعلم من نفسه وقوع الفعل مقارنا لقدرته ، ولا يعلم من نفسه أنه واقع بقدرته ، والفرق بين الأمرين ظاهر ، ولو كان وقوعه بقدرته هو المعلوم بالضرورة ، لما خالف فيه جمع عظيم من العقلاء ؛ يستحيل عليهم الإطباق على جحد الضروريات ، وهذا الجواب مما لا يشفي عليلا ، ولا يروي غليلا ، وهو عبارات لا حاصل تحتها ، فإن كل عاقل يجد من نفسه وقوع الفعل بقدرته وإرادته وداعيته ، فإن ذلك هو المؤثر في الفعل ، ويجد تفرقة ضرورية بين مقارنة القدرة والداعية للفعل ، ومقارنة طوله ولونه وشمه وغير ذلك من صفاته للفعل ، ونسبة ذلك كلّه عند الجبري إلى الفعل نسبة واحدة ، واللّه سبحانه أجرى العادة بخلق الفعل عند القدرة والداعي ، لا بهما ، وإنما اقترن الداعي والقدرة بالفعل اقترانا مجردا ، ومعلوم أنّ هذا قدح في الضروريات . ولا ريب أنّ من نظر إلى تصرفات العقلاء ومعاملاتهم مع بعضهم بعضا ، وجدهم يطلبون الفعل من غيرهم طلب عالم بالاضطرار أن المطلوب منه الفعل هو المحصل له الواقع بقدرته وإرادته ، ولذلك يتلطّفون لوقوع الفعل منه بكل لطيفة ، ويحتالون عليه بكل حيلة ، فيعطونه تارة ، ويزجرونه تارة ، ويخوّفونه تارة ، ويتوصلون إلى إخراج الفعل منه بأنواع الرغبة والرهبة ، ويقولون : قد فعل فلان كذا ، فما لك لا تفعل كما فعل ؟ وهذا أمر مشاهد بالحسّ والضرورة ، فالعقلاء ساكنو الأنفس إلى أن الفعل من العبد يقع ، وبه يحصل ، ولو حرك أحدهم إصبعه ، فشتمت المحرك لها ، لغضب وشتمك وقال : كيف تشتمني ؟ ولم يقل : لم تشتم ربي ؟ وهذا أوضح من أن يضرب له الأمثال ، أو يبسط فيه المقال . وما يعرض في ذلك من الشّبه جار مجرى السفسطة ، وقد فطر اللّه العقلاء على ذم فاعل الإساءة ومدح فاعل الإحسان ، وهذا يدل على أنهم مفطورون