ابن قيم الجوزية

393

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

محدثا له ، لكان خالقا له ، والشرع والعقل ينفيه قال تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 3 ) [ فاطر ] . قال السني : قد دلّ العقل والشرع والحس على أن العبد فاعل له ، وأنه يستحق عليه الذمّ واللعن ، كما ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : أنه رأى حمارا قد وسم في وجهه ، فقال : « ألم أنه عن هذا ؟ ! لعن اللّه من فعل هذا » « 1 » . وقال تعالى : وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ ( 74 ) [ الأنبياء ] وقال : هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 90 ) [ النمل ] وقال : وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ ( 70 ) [ الزمر ] . وهذا في القرآن أكثر من أن يذكر ، والحسّ شاهد به ، فلا تقبل شبهة تقام على خلافه ، ويكون حكم تلك الشبهة حكم القدح في الضروريات ، فلا يلتفت إليه ، ولا يجب على العالم حلّ كلّ شبهة تعرض لكل أحد ، فإنّ هذا لا آخر له ، فقولكم : لو كان فاعلا لفعله ، لكان محدثا له ، إن أردتم بكونه محدثا صدور الفعل منه ، اتحد اللازم والملزوم ، وصار حقيقة قولكم : لو كان فاعلا لكان فاعلا ، وإن أردتم بكونه محدثا كونه خالقا ، سألناكم ، ما تعنون بكونه خالقا ، هل تعنون به كونه فاعلا ، أم تعنون به أمرا آخر ؟ فإن أردتم الأول ، كان اللازم فيه عين الملزوم ، وإن أردتم أمرا آخر غير كونه فاعلا ، فبيّنوه . فإن قلتم : نعني به كونه موجدا للفعل من العدم إلى الوجود . قيل : هذا معنى كونه فاعلا ، فما الدليل على إحالة هذا المعنى ؟ فسمّوه ما

--> ( 1 ) روى أصل الحديث : مسلم ( 2117 ) عن جابر و ( 2118 ) عن ابن عباس . وقد قال مثل هذا القول عندما رأى رجلين يتعاطيان سيفا مسلولا أيضا .