ابن قيم الجوزية
387
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
لا يكلف أحد هؤلاء بالفعل ، فأفعاله لا تدخل تحت التكليف ، وليست كأفعال الملجأ ولا المكره ، وهي مضافة إليهم مباشرة ، وإلى خالق ذواتهم وصفاتهم خلقا ، فهي مفعولة ، وأفعال لهم ، والساهي الذي يفعل الفعل ، مع غفلته وذهوله ، فهو إنما يفعله بقدرته ، إذ لو كان عاجزا ، لما تأتّى منه الفعل ، وله إرادة ، لكنه غافل عنها ، فالإرادة شيء ، والشعور بها شيء آخر ، فالعبد قد يكون له إرادة ، وهو ذاهل عن شعوره بها ، لاشتغال محل التصور منه بأمر آخر ، منعه من الشعور بالإرادة ، فعملت عملها ، وهي غير مشعور بها ، وإن كان لا بدّ من الشعور عند كل جزء من أجزائه ، وباللّه التوفيق . وبالجملة فالفعل الاختياري يستلزم الشعور بالفعل في الجملة ، وأما الشعور به على التفصيل فلا يستلزمه . فصل قال الجبري : ضلال الكافر وجهله عند القدريّ مخلوق له ، موجود بإيجاده اختيارا ، وهذا ممتنع ، فإنه لو كان كذلك ، لكان قاصدا له ، إذ القصد من لوازم الفعل اختيارا ، واللازم ممتنع ، فإنّ عاقلا لا يريد لنفسه الضلال والجهل ، فلا يكون فاعلا له اختيارا . قال السني : عجبا لك أيها الجبريّ : تنزّه العبد أن يكون فاعلا للكفر والجهل والظلم ، ثم تجعل ذلك كله فعل اللّه سبحانه ، ومن العجب قولك : إن العاقل لا يقصد لنفسه الكفر والجهل ، وأنت ترى كثيرا من الناس يقصد لنفسه ذلك عنادا وبغيا وحسدا ، مع علمه بأنّ الرشد والحقّ في خلافه ،