ابن قيم الجوزية

38

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

وفي لفظ آخر : « احتج آدم وموسى عند ربهما ، فحج آدم موسى ، فقال موسى : أنت آدم الذي خلقك اللّه بيده ، ونفخ فيك من روحه ، وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته ، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض قال آدم : أنت موسى الذي اصطفاك اللّه برسالته وبكلامه ، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقرّبك نجيا ، فبكم وجدت اللّه كتب التوراة قبل أن أخلق ؟ قال موسى : بأربعين عاما . قال آدم : هل وجدت فيها : وعصى آدم ربّه فغوى قال : نعم . قال أفتلومني على أن عملت عملا كتبه اللّه عليّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : فحج آدم موسى » « 1 » . وفي لفظ آخر : « احتج آدم وموسى فقال له موسى : أنت الذي أخرجتنا خطيئتك من الجنة » « 2 » وذكر الحديث . متفق على صحته وهذا التقدير بعد التقدير الأول السابق بخلق السماوات بخمسين ألف سنة . وقد ردّ هذا الحديث من لم يفهمه من المعتزلة كأبي علي الجبائي ومن وافقه على ذلك وقال : لو صحّ لبطلت نبوات الأنبياء فإنّ القدر إذا كان حجّة للعاصي بطل الأمر والنهي ، فإنّ العاصي بترك الأمر أو فعل النهي إذا صحت له الحجة بالقدر السابق ارتفع اللوم عنه ، وهذا من ضلال فريق الاعتزال وجهلهم باللّه ورسوله وسنته ، فإنّ هذا حديث صحيح متفق على صحته ، لم تزل الأمة تتلقاه بالقبول من عهد نبيها قرنا بعد قرن ، وتقابله بالتصديق والتسليم ، ورواه أهل الحديث في كتبهم وشهدوا به على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قاله وحكموا بصحته ، فما لأجهل الناس بالسنة ومن عرف بعداوتها وعداوة حملتها والشهادة عليهم بأنهم مجسّمة ومشبّهة حشوية وهذا الشأن .

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 2652 ) ( 15 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 3409 ) ، ومسلم ( 2652 ) .