ابن قيم الجوزية

378

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

على ما لم يقدر عليه خالقه وفاطره ، وهذا هو الذي فارقت به القدرية للتوحيد ، وضاهت به المجوس ، وإن كانت مقدورة للرب والعبد ، لزمت الشركة ووقوع مفعول بين فاعلين ومقدور بين قادرين وأثر بين مؤثرين ، وذلك محال ، لأن المؤثرين إذا اجتمعا استقلالا على أثر واحد ، فهو غني عن كل منهما بكل منهما ، فيكون محتاجا إليهما مستغنيا عنهما . قال السنيّ : قد افترق الناس في هذا المقام فرقا شتى . ففرقة قالت : إنما تقع الحركة بقدرة اللّه وحده ، لا بقدرة العبد ، وتأثير قدرة العبد في كونها طاعة أو معصية ، فقدرة الرب وحده اقتضت وجودها ، وقدرة العبد اقتضت صفتها . وهذا قول القاضي أبي بكر ومن اتبعه ، ولعمر اللّه إنه لغير شاف ولا كاف ، فإنّ صفة الحركة إن كان أثرا وجوديا ، فقد أثرت قدرته في أمر موجود ، فلا يمتنع تأثيرها في نفس الحركة ، وإن كان صفتها أمرا عدميّا ، كان متعلق قدرته عدما لا وجودا ، وذلك ممتنع إذ أثر القدرة لا يكون عدما صرفا . وفرقة أخرى ، قالت : بل الفعل وصفته واقع بمحض قدرة اللّه وحده ، ولا تأثير لقدرة العبد في هذا ولا هذا ، وهذا قول الأشعري ومن اتبعه . وفرقة قالت : بل المؤثر قدرة العبد وحده دون قدرة الرب ، ثم انقسمت هذه الفرقة إلى فرقتين : فرقة قالت : إنّ قدرة العبد هي المؤثرة ، مع كون الرب قادرا على الحركة ، وقالت : إنّ مقدورات العباد مقدورة للّه تعالى ، وهذا قول أبي الحسين البصري وأتباعه الحسينية .