ابن قيم الجوزية

375

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

إليه ، فقد خرج عن موجب العقل والشرع ، فهب أن دواعي حركة الضرب منك مستقلا بها ، فهل سلامة الآلة منك ؟ وهل وجود المحلّ المنفعل وقبوله منك ؟ وهل خلق الفضاء بينك وبين المضروب ، وخلوه عن المانع منك ؟ وهل إمساك قدرته عن مضاربتك وغلبك منك ؟ وهل القوة التي في اليد والرباطات والاتصالات التي بين عظامها وشدّ أسرها منك ؟ ومن زعم أنه لا أثر للعبد بوجه ما في الفعل ، وأن وجود قدرته وإرادته وعدمها بالنسبة إلى الفعل على السواء ، فقد كابر العقل والحس . قال الجبري : إن انتهت سلسلة الترجيحات إلى مرجّح من العبد ، فذلك المرجح ممكن لا محالة ، فإن ترجّح بلا مرجح ، انسدّ عليكم باب إثبات الصانع ، إذا جوزتم رجحان أحد طرفي الممكن ، وإن توقف على مرجّح آخر ، لزم التسلسل ، فلا بد من انتهائه إلى مرجح من اللّه ، لا صنع للعبد فيه . قال السني : أما إخوانك القدرية فإنهم يقولون : القادر المختار يحدث إرادته وداعيته لا مرجح من غيره ، قالوا : والفطرة شاهدة بذلك ، فإنّا لا نفعل ما لم نرد ، ولا نريد ما لم نعلم أن في الفعل منفعة لها أو دفع مضرة ، ولا نجد لهذه الإرادة إرادة أحدثتها ، ولا لعلمنا ، بأن ذلك نافع ، علما آخر أحدثه ، فالمرجّح هو ما خلق عليه العبد وفطر عليه من صفاته القائمة به ، فاللّه سبحانه أنشأ العبد نشأة ، يتحرك فيها بالطبع ، فحركته بالإرادة ، والمشيئة من لوازم نشئه ، وكونه حيوانا ، فإرادته وميله من لوازم كونه حيا ، فأفعال العبد الخاصة به هي الدواعي والإرادات لا غير ، وما يقع بها من الأفعال شبيه بالفعل المتولد من حيث كان المتولد سببا ، وهذه الأفعال صادرة عن الدواعي التي عرفها العبد ابتداء ، من غير واسطة ، فاشتراكهما في أن كل واحد منهما مستند إلى فعل خاص بالعبد ، فهما متماثلان من هذه الجهة .