ابن قيم الجوزية

348

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

إلى مدح وذم ، لم يجئ اسمه المطلق في الأسماء الحسنى ، كالفاعل والعامل والصانع والمريد والمتكلم ، لانقسام معاني هذه الأسماء إلى محمود ومذموم ، بخلاف العالم والقادر والحي والسميع والبصير وقد سمّى النبيّ صلى اللّه عليه وسلم العبد صانعا . قال البخاري : حدثنا علي بن عبد اللّه ، قال : حدثنا مروان بن معاوية ، قال : حدثنا أبو مالك ، عن ربعي بن حراش « 1 » ، عن حذيفة ، قال : قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « إن اللّه يصنع كل صانع وصنعته » « 2 » . وقد أطلق سبحانه على فعله اسم الصنع ، فقال : صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ( 88 ) [ النمل ] ، وهو منصوب على المصدر ، لأن قوله تعالى : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ( 88 ) [ النمل ] يدل على الصنعة ، وقيل : هو نصب على المفعولية ، أي : انظروا صنع اللّه ، فعلى الأول يكون صنع اللّه مصدرا بمعنى الفعل ، وعلى الثاني ، يكون بمعنى المصنوع المفعول ، فإنه الذي يمكن وقوع النظر والرؤية عليه ، وأما الإنشاء فإنما وقع إطلاقه عليه سبحانه فعلا ، كقوله : وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ ( 12 ) [ الرعد ] وقوله : فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ ( 19 ) [ المؤمنون ] وقوله وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ ( 61 ) [ الواقعة ] وهو كثير ، ولم يرد لفظ المنشئ ، وأما العبد فيطلق عليه الإنشاء باعتبار آخر ، وهو شروعه في الفعل وابتداؤه له ، يقول : أنشأ يحدّثنا ، وأنشأ السير ، فهو منشئ لذلك ، وهذا إنشاء مقيّد ، وإنشاء الربّ إنشاء مطلق ، وهذه اللفظة تدور على معنى الابتداء : أنشأه اللّه ، أي : ابتدأ خلقه ، وأنشأ يفعل كذا : ابتدأ ، وفلان ينشئ الأحاديث : أي : يبتدئ وضعها ، والناشئ : أول

--> ( 1 ) تصحفت في المطبوع إلى : « خراش » . ( 2 ) صحيح . رواه البخاري في « خلق أفعال العباد » ( ص : 73 ) عن حذيفة .