ابن قيم الجوزية
345
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
في الإسلام . ولا يمتنع إطلاقه على فعل الخير مع التقييد . قال بعض السلف : إذا أحدث اللّه لك نعمة ، فأحدث لها شكرا ، وإذا أحدثت ذنبا ، فأحدث له توبة ، ومنه قوله : هل أحدثت توبة ؟ وأحدث للذنب استغفارا ، ولا يلزم من ذلك إطلاق اسم المحدث عليه ، والإحداث على فعله . قال الأشعري : وبلغني أنّ بعضهم أطلق في الإنسان أنه محدث في الحقيقة ، بمعنى مكتسب ، قلت : هاهنا ألفاظ ، وهي فاعل وعامل ومكتسب وكاسب وصانع ومحدث وجاعل ومؤثر ومنشئ وموجد وخالق وبارئ ومصور وقادر ومريد ، وهذه الألفاظ ثلاثة أقسام : قسم لم يطلق إلّا على الربّ سبحانه ، كالبارئ والبديع والمبدع ، وقسم لا يطلق إلا على العبد كالكاسب والمكتسب ، وقسم وقع إطلاقه على الرب والعبد كاسم صانع وفاعل وعامل ومنشئ ومريد وقادر ، وأما الخالق والمصور فإن استعملا مطلقين غير مقيدين ، لم يطلقا إلا على الربّ كقوله : الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ ( 24 ) [ الحشر ] ، وإن استعملا مقيّدين ، أطلقا على العبد ، كما يقال لمن قدر شيئا في نفسه : إنه خلقه قال : ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفر أي : لك قدرة تمضي وتنفذ بها ما قدرته في نفسك ، وغيرك يقدر أشياء ، وهو عاجز عن إنفاذها وإمضائها ، وبهذا الاعتبار صحّ إطلاق خالق على العبد في قوله تعالى : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ ( 14 ) [ المؤمنون ] أي : أحسن المصورين والمقدرين ، والعرب تقول : قدرت الأديم وخلقته : إذا قسته ، لتقطع منه مزادة أو قربة ونحوها . قال مجاهد : يصنعون ، ويصنع اللّه ، واللّه خير الصانعين .