ابن قيم الجوزية

34

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 106 ) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 107 ) [ آل عمران ] قال : صاروا فريقين ، وقال لمن سوّد وجوههم وغيرهم : أكفرتم بعد إيمانكم قال : هو الإيمان الذي كان حيث كانوا أمة واحدة مسلمين . قال أبو داود : وحدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا حماد قال : حدثنا أبو نعامة السعدي قال : كنا عند أبي عثمان النهدي ، فحمدنا اللّه عز وجل فذكرناه ودعوناه فقلت لأنا بأول هذا الأمر أشدّ فرحا مني بآخره ، فقال أبو عثمان : ثبّتك اللّه ، كنا عند سلمان فحمدنا اللّه عز وجل وذكرناه ودعوناه ، فقلت لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحا مني بآخره فقال سلمان : ثبتك اللّه إن اللّه تبارك وتعالى لما خلق آدم ، مسح ظهره فأخرج من ظهره ما هو ذارئ إلى يوم القيامة ، فخلق الذكر والأنثى والشقوة والسعادة والأرزاق والآجال والألوان ، ومن علم السعادة فعل الخير ومجالس الخير ، ومن علم الشقاوة فعل الشر ومجالس الشر . وقال أبو داود : حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا حماد قال : أخبرنا عطاء بن السائب ، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : مسح ربّك تعالى ظهر آدم فأخرج منه ما هو ذارئ إلى يوم القيامة ، أخذ عهودهم ومواثيقهم قال سعيد : فيرون أنّ القلم جفّ يومئذ . وقال الضحاك : خرجوا كأمثال الذر ثم أعادهم ، فهذه وغيرها تدلّ على أن اللّه سبحانه قدّر أعمال بني آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم وشقاوتهم عقيب خلق أبيهم وأراهم لأبيهم آدم صورهم وأشكالهم وحلاهم ، وهذا واللّه أعلم أمثالهم وصورهم . وأما تفسير قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ الآية به ففيه ما فيه ،