ابن قيم الجوزية

334

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

سبحانه يكره شركهم ويبغضه ويمقته ، وأنه لولا بغضه وكراهته لما أذاق المشركين باللّه عذابه ، فإنه لا يعذب عبده على ما يحبه ، ثم طالبهم بالعلم على صحة مذهبهم بأن اللّه أذن فيه ، وأنه يحبه ويرضى به ، ومجرد إقراره لهم قدرا لا يدل على ذلك عند أحد من العقلاء ، وإلا كان الظلم والفواحش والسعي في الأرض بالفساد والبغي ، محبوبا له مرضيا ، ثم أخبر سبحانه أن مستندهم في ذلك إنما هو الظنّ ، وهو أكذب الحديث ، وأنهم لذلك كانوا أهل الخرص والكذب ، ثم أخبر سبحانه أن له الحجة عليهم من جهتين : إحداهما ما ركّبه فيهم من العقول التي يفرّقون بها بين الحسن والقبيح والباطل والأسماع والأبصار التي هي آلة إدراك الحق ، والتي يفرق بها بينه وبين الباطل ، والثانية : إرسال رسله وإنزال كتبه وتمكينهم من الإيمان والإسلام ، ولم يؤاخذهم بأحد الأمرين ، بل بمجموعهما ، لكمال عدله ، وقطعا لعذرهم من جميع الوجوه ، ولذلك سمّى حجته عليهم بالغة ، أي : قد بلغت غاية البيان وأقصاه بحيث لم يبق معها مقال لقائل ولا عذر لمعتذر ، ومن اعتذر إليه سبحانه بعذر صحيح ، قبله ، ثم ختم الآية بقوله : فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 149 ) [ الأنعام ] وأنه لا يكون شيء إلا بمشيئته ، وهذا من تمام حجته البالغة ، فإنه إذا امتنع الشيء لعدم مشيئته ، لزم وجوده عند مشيئته ، فما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، كان هذا من أعظم أدلة التوحيد ، ومن أبين أدلة بطلان ما أنتم عليه من الشرك واتخاذ الأنداد من دونه ، فما احتججتم به من المشيئة على ما أنتم عليه من الشرك هو من أظهر الأدلة على بطلانه وفساده . فلو أنهم ذكروا القدر والمشيئة توحيدا له وافتقارا والتجاء إليه وبراءة من الحول والقوة إلا به ورغبة إليه ، أن يقيلهم « 1 » مما لو شاء أن لا يقع منهم ،

--> ( 1 ) يقيل : لا يكلف ، يرفع التكليف عنهم .