ابن قيم الجوزية
323
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
العزيز ، كما أن البارئ المصور تفصيل لمعنى اسم الخالق ، فالجبار من أوصافه ، يرجع إلى كمال القدرة والعزة والملك ، ولهذا كان من أسمائه الحسنى ، وأما المخلوق فاتصافه بالجبار ذم له ونقص ، كما قال تعالى : كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ ( 35 ) [ غافر ] وقال تعالى لرسوله صلى اللّه عليه وسلم : وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ( 45 ) [ ق ] أي : مسلط تقهرهم وتكرههم على الإيمان ، وفي الترمذي وغيره : عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة أمثال الذر يطؤهم الناس » « 1 » . فصل إذا عرف هذا ، فلفظ الكسب تطلقه القدرية على معنى ، والجبرية على معنى ، وأهل السنة والحديث على معنى ، فكسب القدرية هو وقوع الفعل عندهم بإيجاد العبد وإحداثه ومشيئته ، من غير أن يكون اللّه شاءه أو أوجده . وكسب الجبرية لفظ لا معنى له ولا حاصل تحته ، وقد اختلفت عباراتهم فيه ، وضربوا له الأمثال ، وأطالوا فيه المقال ، فقال القاضي : الكسب ما وجدوا عليه قدرة محدثة . وقيل : إنه المتعلق بالقادر على غير جهة الحدوث . وقيل : إنه المقدور بالقدرة الحادثة ، قالوا : ولسنا نريد بقولنا : ما وجدوا عليه قدرة محدثة ، أنها قدرة على وجوده ، فإن القادر على وجوده هو اللّه وحده ، وإنما نعني بذلك أنّ للكسب تعلقا بالقدرة الحادثة ، لا من باب الحدوث والوجود .
--> ( 1 ) صحيح . رواه أحمد ( 2 / 179 ) ، والترمذي ( 2492 ) عن عبد اللّه بن عمرو .