ابن قيم الجوزية
319
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
الباب السابع عشر في الكسب والجبر ومعناهما لغة واصطلاحا وإطلاقهما نفيا وإثباتا وما دل عليه السمع والعقل من ذلك أما الكسب فأصله في اللغة الجمع ، قاله الجوهري ، وهو طلب الرزق . يقال : كسبت شيئا ، واكتسبته ، بمعنى . وكسبت أهلي خيرا ، وكسبت الرجل مالا ، فكسبه ، وهذا مما جاء على فعلته ففعل . والكواسب الجوارح ، وتكسّب : تكلّف الكسب ، انتهى . والكسب قد وقع في القرآن على ثلاثة أوجه : أحدها : عقد القلب وعزمه ، كقوله تعالى : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ( 225 ) [ البقرة ] أي : بما عزمتم عليه وقصدتموه . وقال الزجاج : أي : يؤاخذكم بعزمكم على أن لا تبروا ، وأن لا تتقوا وأن تعتلّوا في ذلك بأنكم حلفتم ، وكأنه التفت إلى لفظ المؤاخذة ، وأنها تقتضي تعذيبا ، فجعل كسب قلوبهم عزمهم على ترك البر والتقوى ، لمكان اليمين ، والقول الأول أصح ، وهو قول جمهور أهل التفسير ، فإنه قابل به لغو اليمين ، وهو أن لا يقصد اليمين ، فكسب القلب المقابل للغو اليمين هو عقده وعزمه ، كما قال في الآية الأخرى : وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ ( 89 ) [ المائدة ] فتعقيد الأيمان هو كسب القلب .