ابن قيم الجوزية

313

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

أعوذ بك من شر ما علمت ومن شر ما لم أعلم » « 1 » . وكان يقول بين السجدتين : « اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني . وكان يقول في قيامه إلى الصلاة بالليل : اللهم لك الحمد ، الحديث ، وفيه : فاغفر لي ما قدّمت وما أخّرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني ، أنت المقدّم وأنت المؤخر ، لا إله إلا أنت » « 2 » . وفي الصحيحين « 3 » عن أبي موسى الأشعري ، أن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان يدعو بهذا الدعاء : « اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمري وما أنت أعلم به مني ، أنت المقدم وأنت المؤخر ، وأنت على كل شيء قدير » . وحقيقة الأمر أن العبد فقير إلى اللّه ، من كل وجه وبكل اعتبار ، فهو فقير إليه من جهة ربوبيته له وإحسانه إليه وقيامه بمصالحه وتدبيره له ، وفقير إليه من جهة إلهيته وكونه معبوده وإلهه ومحبوبه الأعظم الذي لا صلاح له ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون أحب شيء إليه ، فيكون أحب إليه من نفسه وأهله وماله ووالده وولده ومن الخلق كلهم ، وفقير إليه من جهة معافاته له من أنواع البلاء ، فإنه إن لم يعافه منها هلك ببعضها ، وفقير إليه من جهة عفوه عنه ومغفرته له ، فإن لم يعف عن العبد ويغفر له ، فلا سبيل إلى النجاة ، فما نجا أحد إلا بعفو اللّه ، ولا دخل الجنة إلا برحمة اللّه . وكثير من الناس ينظر إلى نفس ما يتاب منه ، فيراه نقصا ، ولا ينظر إلى كمال الغاية الحاصلة بالتوبة ، وأنّ العبد بعد التوبة النصوح خير منه قبل

--> ( 1 ) رواه مسلم ( 2716 ) عن عائشة . ( 2 ) صحيح . رواه الترمذي ( 3418 ) ، وابن ماجة ( 1355 ) عن ابن عباس . ( 3 ) البخاري ( 6398 ) ، ومسلم ( 2719 ) .