ابن قيم الجوزية

309

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

من زعم أن أحدا من الناس يستغني عنها ، ولا حاجة به إليها ، فقد جهل حق الربوبية ومرتبة العبودية ، وينتقص بمن أغناه ، بزعمه ، عن التوبة ، من حيث زعم أنه معظّم له ، إذ عطّله عن هذه الطاعة العظيمة التي هي من أجلّ الطاعات ، والقربة الشريفة التي هي من أجلّ القربات ، وقال : لست من أهل هذه الطاعة ، ولا حاجة بك إليها . فلا قدّر اللّه حق قدره ، ولا قدر العبد حق قدره ، وقد جعل بعض عباده غنيا عن مغفرة اللّه وعفوه وتوبته إليه ، وزعم أنه لا يحتاج إلى ربه في ذلك . وفي الصحيحين « 1 » من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « للّه أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب عن أحدكم ، من رجل كان على راحلته ، بأرض فلاة ، فانفلتت منه ، وعليها طعامه وشرابه ، فأيس منها ، فأتى شجرة ، فاضطجع وقد يئس من راحلته ، فبينا هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده ، ثم قال من شدة الفرح : اللهم أنت عبدي وأنا ربّك ، أخطأ من شدة الفرح » . وأكمّل الخلق أكملهم توبة وأكثرهم استغفارا . وفي صحيح البخاري « 2 » عن أبي هريرة ، قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « واللّه إني لأستغفر اللّه وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة » . ولما سمع أبو هريرة هذا من النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان يقول ما رواه الإمام أحمد في « كتاب الزهد » عنه : إني لأستغفر اللّه في اليوم والليلة اثني عشر ألف مرة بقدر ديتي ، ثم ساقه من طريق آخر ، وقال : بقدر ذنبه .

--> ( 1 ) البخاري ( 6309 ) ومسلم ( 2747 ) عن أنس . ( 2 ) البخاري ( 6307 ) عن أبي هريرة .