ابن قيم الجوزية
299
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
في نفسي شيء من القدر ، فحدثني بشيء ، لعلّ اللّه يذهبه عني من قلبي ، فقال : « إنّ اللّه لو عذّب أهل سماواته وأهل أرضه ، لعذبهم وهو غير ظالم لهم ، ولو رحمهم ، لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم ، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا ، ما قبله اللّه منك حتى تؤمن بالقدر ، وتعلم أنّ ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وما أخطأك لم يكن ليصيبك ، ولو مت على غير ذلك ، كنت من أهل النار » « 1 » . قال : فأتيت عبد اللّه بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت ، فكلّ منهم حدثني بمثل ذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وهذا الحديث حديث صحيح رواه الحاكم في « صحيحه » ، وله شأن عظيم ، وهو دال على أنّ من تكلم به أعرف الخلق باللّه ، وأعظمهم له توحيدا ، وأكثرهم له تعظيما ؛ وفيه الشفاء التام في باب العدل والتوحيد ، فإنه لا يزال يجول في نفوس كثير من الناس كيف يجتمع القضاء والقدر والأمر والنهي ، وكيف يجتمع العدل والعقاب على المقضي المقدّر الذي لا بدّ للعبد من فعله ، ثم سلك كلّ طائفة في هذا المقام واديا وطريقا ، فسلك الجبرية وادي الجبر وطريق المشيئة المحضة الذي يرجع مثلا على مثل ، من غير اعتبار علة ولا غاية ولا حكمة ، قالوا : وكلّ ممكن عدل ، والظلم هو الممتنع لذاته ، فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه ، لكان متصرفا في ملكه ، والظلم تصرّف القادر في غير ملكه ، وذلك مستحيل عليه سبحانه . قالوا : ولما كان الأمر راجعا إلى محض المشيئة ، لم تكن الأعمال سببا للنجاة ، فكانت رحمته للعباد هي المستقلة بنجاتهم ، فكانت رحمته خيرا من
--> ( 1 ) صحيح . رواه أحمد ( 5 / 182 ، 185 ، 189 ) وغيره عن زيد بن ثابت ، وقد مر .