ابن قيم الجوزية
293
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
الخير حيث كان ، ثم رضّني به . قال : ويسمي حاجته » « 1 » . قال الترمذي « 2 » : هذا حديث حسن صحيح . فقوله : إذا همّ أحدكم بالأمر ، صريح في أنه الفعل الاختياريّ المتعلق بإرادة العبد ، وإذا علم ذلك ، فقوله : أستقدرك بقدرتك ، أي : أسألك أن تقدرني على فعله بقدرتك ، ومعلوم أنه لم يسأل القدرة المصححة التي هي سلامة الأعضاء وصحة البنية ، وإنما سأل القدرة التي توجب الفعل ، فعلم أنها مقدورة للّه ومخلوقة له ، وأكّد ذلك بقوله : فإنك تقدر ولا أقدر ، أي : تقدر أن تجعلني قادرا فاعلا ، ولا أقدر أن أجعل نفسي كذلك ، وكذلك قوله : تعلم ولا أعلم ، أي : حقيقة العلم بعواقب الأمور ومآلها ، والنافع منها والضار عندك ، وليس عندي . وقوله : يسّره لي ، أو اصرفه عني ، فإنه طلب من اللّه تيسيره إن كان له فيه مصلحة ، وصرفه عنه إن كان فيه مفسدة . وهذا التيسير والصرف متضمن إلقاء داعية الفعل في القلب ، أو إلقاء داعية الترك فيه ، ومتى حصلت داعية الفعل ، حصل الفعل ، وداعية الترك امتنع الفعل . وعند القدرية ترجيح فاعلية العبد على الترك منه ، ليس للرب فيه صنع ولا تأثير ، فطلب هذا التيسير منه لا معنى له عندهم ، فإنّ تيسير الأسباب التي لا قدرة للعبد عليها موجود ، ولم يسأله العبد . وقوله : ثم رضّني به ، يدلّ على أن حصول الرضا ، وهو فعل اختياري من أفعال القلوب ، أمر مقدور للرب تعالى ، وهو الذي يجعل نفسه راضيا .
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 1162 ) عن جابر بن عبد اللّه . ( 2 ) في ( 480 ) .