ابن قيم الجوزية
254
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
قال ابن قتيبة : هي تحريم اللّه سبحانه عليهم كثيرا مما أطلقه لأمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وجعلها أغلالا ، لأن التحريم يمنع كما يقبض الغل اليد . وقوله : فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ ( 8 ) [ يس ] ، قالت طائفة : الضمير يعود إلى الأيدي ، وإن لم تذكر لدلالة السياق عليها ، قالوا : لأن الغل يكون في العنق ، فتجمع إليه اليد ، ولذلك سمّي ، جامعة ، وعلى هذا فالمعنى : فأيديهم أو فأيمانهم مضمومة إلى أذقانهم ، هذا قول الفراء والزجاج . وقالت طائفة : الضمير يرجع إلى الأغلال ، وهذا هو الظاهر ، وقوله : فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ أي : واصلة وملزوزة إليها ، فهو غلّ عريض ، قد أحاط بالعنق حتى وصل إلى الذقن . وقوله : فَهُمْ مُقْمَحُونَ ( 8 ) [ يس ] قال الفراء والزجاج : المقمح هو الغاضّ بصره بعد رفع رأسه ، ومعنى الإقماح في اللغة : رفع الرأس وغضّ البصر ، يقال : أقمح البعير رأسه ، وقمح . وقال الأصمعي : بعير قامح : إذا رفع رأسه عن الحوض ، ولم يشرب . قال الأزهري : لما غلت أيديهم إلى أعناقهم ، رفعت الأغلال أذقانهم ورؤوسهم صعدا كالإبل الرافعة رءوسها ، انتهى . فإن قيل : فما وجه التشبيه بين هذا وبين حبس القلب عن الهدى والإيمان ؟ . قيل : أحسن وجه وأبينه ، فإنّ الغلّ إذا كان في العنق واليد مجموعة إليها ، منع اليد عن التصرف والبطش ، فإذا كان عريضا قد ملأ العنق ووصل إلى الذقن ، منع الرأس من تصويبه ، وجعل صاحبه شاخص الرأس منتصبه ، لا يستطيع له حركة ، ثم أكد هذا المعنى والحبس بقوله : وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا ( 9 ) [ يس ] .