ابن قيم الجوزية
241
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
واستمكنت ، لم يمكنه صرف قلبه عن الهوى والمحبة ، فيطبع على قلبه ويختم عليه ، فلا يبقى فيه محلّ لغير ما يهواه ويحبه ، وكان الانصراف مقدورا له في أول الأمر ، فلما تمكنت أسبابه لم يبق مقدورا له ، كما قال الشاعر : تولّع بالعشق حتى عشق * فلما استقلّ به لم يطق رأى لجّة ظنها موجة * فلما تمكّن منها غرق فلو أنهم بادروا ، في مبدأ الأمر ، إلى مخالفة الأسباب الصادة عن الهدى ، لسهل عليهم ، ولما استعصى عليهم ، ولقدروا عليه . ونظير ذلك المبادرة إلى إزالة العلة قبل استحكام أسبابها ولزومها للبدن لزوما لا ينفك منها ، فإذا استحكمت العلة ، وصارت كالجزء من البدن ، عزّ على الطبيب استنقاذ العليل منها . ونظير ذلك المتوحّل في حمأة ، فإنه ما لم يدخل تحتها ، فهو قادر على التخلص ، فإذا توسط معظمها ، عزّ عليه وعلى غيره إنقاذه . فمبادئ الأمور مقدورة للعبد ، فإذا استحكمت أسبابها ، وتمكنت ، لم يبق الأمر مقدورا له . فتأمل هذا الموضع حق التأمل ، فإنه من أنفع الأشياء في باب القدر . واللّه الموفق للصواب ، واللّه سبحانه جاعل ذلك كله وخالقه فيهم بأسباب منهم ، وتلك الأسباب قد تكون أمورا عدمية ، يكفي فيها عدم مشيئة أضدادها ، فلا يشاء سبحانه أن يخلق للعبد أسباب الهدى ، فيبقى على العدم الأصلي ، وإن أراد من عبده الهداية ، فهي لا تحصل حتى يريد من نفسه إعانته وتوفيقه ، فإذا لم يرد سبحانه من نفسه ذلك ، لم تحصل الهداية .