ابن قيم الجوزية

237

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

الرب ، وإن دخلت قدرته الصالحة لهما تحت مقدوره سبحانه ، فمشيئته واختياره وفعله غير واقع تحت مقدور الرب . وهذا من أبطل الباطل ، فإن كل ما سواه تعالى مخلوق له ، داخل تحت قدرته ، واقع بمشيئته ، ولو لم يشأ لم يكن . قلت : القدرية لما أعرضوا عن التدبر ، ولم يصغوا إلى التذكّر ، وكان ذلك مقارنا لإيراد اللّه سبحانه حجته عليهم ، أضيفت أفعالهم إلى اللّه ، لأن حدوثها إنما اتفق عند إيراد الحجة عليهم . قال أهل السنة : هذا من أمحل المحال ، أن يضيف الرب إلى نفسه أمرا لا يضاف إليه البتة ، لمقارنته ما هو من فعله ، ومن المعلوم أن الضد يقارن الضد ، فالشرّ يقارن الخير ، والحق يقارن الباطل ، والصدق يقارن الكذب . وهل يقال : إن اللّه يحب الكفر والفسوق والعصيان لمقارنتها ما يحبّه من الإيمان والطاعة ؟ وأنه يحب إبليس لمقارنة وجوده لوجود الملائكة ؟ فإن قيل : قد ينسب الشيء إلى الشيء لمقارنته له ، وإن لم يكن له فيه تأثير ، كقوله تعالى : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 124 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ ( 125 ) [ التوبة ] ومعلوم أن السورة لم تحدث لهم زيادة رجس ، بل قارن زيادة رجسهم نزولها ، فنسب إليها . قيل : لم ينحصر الأمر في هذين الأمرين اللذين ذكرتموهما ، وهما إحداث السورة الرجس ، والثاني مقارنته لنزولها ، بل هاهنا أمر ثالث وهو أنّ السورة لما أنزلت ، اقتضى نزولها الإيمان بها ، والتصديق والإذعان لأوامرها ونواهيها ، والعمل بما فيها ، فوطّن المؤمنون أنفسهم على ذلك ، فازدادوا إيمانا بسببها ، فنسبت زيادة الإيمان إليها ، إذ هي السبب في زيادته ، وكذّب