ابن قيم الجوزية

220

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

ولهذا قال ابن عباس في قوله تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً ( 48 ) [ المائدة ] قال : سبيلا وسنة ، وهذا التفسير يحتاج إلى تفسير ، فالسبيل : الطريق ، وهي : المنهاج . والسنة والشرعة ، وهي تفاصيل الطريق وحزوناته وكيفية المسير فيه وأوقات المسير ، وعلى هذا فقوله : سبيلا وسنة ، يكون السبيل المنهاج ، والسنة الشرعة . فالمقدم في الآية للمؤخر في التفسير . وفي لفظ آخر : سنة وسبيلا ، فيكون المقدم للمقدم والمؤخر للتالي . فصل ومن هذا إخباره سبحانه بأنه طبع على قلوب الكافرين ، وختم عليها ، وأنه أصمّها عن الحقّ ، وأعمى أبصارها عنه ، كما قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 6 ) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ ( 7 ) [ البقرة ] والوقف التام هنا ، ثم قال : وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ( 7 ) [ البقرة ] كقوله : أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ ( 23 ) [ الجاثية ] وقال تعالى : وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ ( 155 ) [ النساء ] وقال تعالى : كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ( 101 ) [ الأعراف ] كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ ( 74 ) [ يونس ] وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 100 ) [ الأعراف ] . وأخبر سبحانه أن على بعض القلوب أقفالا ، تمنعها من أن تنفتح لدخول الهدى إليها ، وقال : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ( 44 ) [ فصلت ] . فهذا الوقر والعمى حال بينهم وبين أن يكون لهم هدى وشفاء .