ابن قيم الجوزية

215

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

فصل المرتبة الثانية من مراتب الهداية : هداية الإرشاد والبيان للمكلفين ، وهذه الهداية لا تستلزم حصول التوفيق واتّباع الحق ، وإن كانت شرطا فيه ، أو جزء سبب ، وذلك لا يستلزم حصول المشروط والمسبب ، بل قد يتخلّف عنه المقتضى ، إما لعدم كمال السبب ، أو لوجود مانع ، ولهذا قال تعالى : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى ( 17 ) [ فصلت ] قال وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ ( 115 ) [ التوبة ] فهداهم هدى البيان والدلالة ، فلم يهتدوا ، فأضلّهم عقوبة لهم على ترك الاهتداء أولا ، بعد أن عرفوا الهدى ، فأعرضوا عنه ، فأعماهم عنه ، بعد أن أراهموه ، وهذا شأنه سبحانه في كل من أنعم عليه بنعمة ، فكفرها ، فإنه يسلبه إياها ، بعد أن كانت نصيبه وحظه ، كما قال تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ( 53 ) [ الأنفال ] . وقال تعالى عن قوم فرعون وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا ( 14 ) [ النمل ] أي : جحدوا بآياتنا بعد أن تيقّنوا صحتها . وقال : كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 86 ) [ آل عمران ] وهذه الهداية هي التي أثبتها لرسوله حيث قال : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 52 ) [ الشورى ] ونفى عنه ملك الهداية الموجبة ، وهي هداية التوفيق والإلهام بقوله : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ( 56 ) [ القصص ] ولهذا قال صلى اللّه عليه وسلم : بعثت داعيا ومبلّغا ، وليس إليّ