ابن قيم الجوزية

183

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

الإنسان ، كهداية النحل إلى سلوك السبل التي فيها مراعيها على تباينها ، ثم عودها إلى بيوتها من الشجر والجبال وما يغرس بنو آدم . وأمر النحل في هدايتها من أعجب العجب « 1 » ، وذلك أن لها أميرا ومدبرا وهو اليعسوب ، وهو أكبر جسما من جميع النحل وأحسن لونا وشكلا ، وإناث النحل تلد في إقبال الربيع ، وأكثر أولادها يكن إناثا ، وإذا وقع فيها ذكر لم تدعه بينها ، بل إما تطرده ، وإما أن تقتله إلا طائفة يسيرة منها تكون حول الملك ، وذلك أن الذكر منها لا تعمل شيئا ، ولا تكسب ، ثم تجمع الأمهات وفراخها عند الملك ، فيخرج بها إلى المرعى من المروج والرياض والبساتين والمراتع في أقصد « 2 » الطرق وأقربها ، فيجتني منها كفايتها ، فيرجع بها الملك ، فإذ انتهوا إلى الخلايا ، وقف على بابها ، ولم يدع ذكرا ولا نحلة غريبة تدخلها ، فإذا تكامل دخولها ، دخل بعدها ، وتواجدت النحل مقاعدها وأماكنها ، فيبتدئ الملك بالعمل ، كأنه يعلّمها إياه ، فيأخذ النحل في العمل ويتسارع إليه ، ويترك الملك العمل ، ويجلس ناحية بحيث يشاهد النحل ، فيأخذ النحل في إيجاد الشمع من لزوجات الأوراق والأنوار ، ثم تقتسم النحل فرقا ، فمنها فرقة تلزم الملك ، ولا تفارقه ، ولا تعمل ، ولا تكسب ، وهم حاشية الملك من الذكورة ، ومنها فرقة تهيئ الشمع وتصنعه . والشمع هو ثفل العسل ، وفيه حلاوة كحلاوة التين ، وللنحل فيه عناية شديدة فوق عنايتها بالعسل ، فينظفه النحل ويصفّيه ويخلصه مما يخالطه من أبوالها وغيرها . وفرقة تبني البيوت ، وفرقة تسقي الماء وتحمله على متونها . وفرقة تكنس الخلايا وتنظفها من الأوساخ والجيف والزبل ، وإذا رأت بينها نحلة

--> ( 1 ) ما ذكره ابن القيم - رحمه اللّه - عن النحل فيه الخطأ ، وفيه الصواب ، لذلك يؤخذ التفصيل فيه من كتب الاختصاص ، لمن أراد الوقوف على أسراره . واللّه أعلم . ( 2 ) مأخوذ من الاقتصاد ، وتعني : ما يوفّر بعض الجهد ، لقصرها .