ابن قيم الجوزية
176
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
اللّه بعبده ، والغفلة فعل العبد . فصل ومن ذلك قوله تعالى إخبارا عن نبيه شعيب أنه قال لقومه : قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا ( 89 ) [ الأعراف ] . وهذا يبطل تأويل القدرية المشيئة في مثل ذلك بمعنى الأمر ، فقد علمت أنه من الممتنع على اللّه أن يأمر بالدخول في ملة الكفر والشرك به ، ولكن استثنوا بمشيئته التي يضل بها من يشاء ، ويهدي من يشاء . ثم قال شعيب : وسع ربّنا كلّ شيء علما ، فردّ الأمر إلى مشيئته وعلمه ، فإن له سبحانه في خلقه علما محيطا ، ومشيئته نافذة وراء ما يعلمه الخلائق ، فامتناعنا من العود فيها هو مبلغ علومنا ومشيئتنا . وللّه علم آخر ومشيئة أخرى وراء علومنا ومشيئتنا ، فلذلك ردّ الأمر إليه . ومثله قول إبراهيم : وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ( 80 ) [ الأنعام ] فأعادت الرّسل ، بكمال معرفتها باللّه ، أمورها إلى مشيئة الرب وعلمه ، ولهذا أمر اللّه رسوله أن لا يقول لشيء أنه فاعله حتى يستثني بمشيئة اللّه ، فإنه إن شاء فعله وإن شاء لم يفعله ، وقد تقدم تقرير هذا المعنى . وبالجملة فكلّ دليل في القرآن على التوحيد فهو دليل على القدر وخلق أفعال العباد ، ولهذا كان إثبات القدر أساس التوحيد .