ابن قيم الجوزية
173
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ( 98 ) [ النحل ] . ومن المعلوم أنّ الإعاذة من الشيطان الرجيم ليست بإماتته ولا تعطيل آلات كيده ، وإنما هي بأن يعصم المستعيذ من أذاه له ، ويحول بينه وبين فعله الاختياري له ، فدلّ على أن فعله مقدور له سبحانه ، إن شاء سلّطه على العبد ، وإن شاء حال بينه وبينه ، وهذا على أصول القدرية باطل ، فلا يثبتون حقيقة الإعاذة ، وإن أثبتوا حقيقة الاستعاذة من العبد ، وجعلوا الآية ردا على الجبرية . والجبرية أثبتوا حقيقة الإعاذة ، ولم يثبتوا حقيقة الاستعاذة من العبد ، بل الاستعاذة فعل الرب حقيقة كما أن الإعاذة فعله ، وقد ضلّ الطائفتان عن الصراط المستقيم ، وأصابت كلّ طائفة منهما فيما أثبتته من الحق . فصل ومن ذلك قوله تعالى : وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ( 127 ) [ النحل ] وقول هود « 1 » : وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ( 88 ) [ هود ] . ومعلوم أنّ الصبر والتوفيق فعل اختياري للعبد ، وقد أخبر أنه به لا بالعبد ، وهذا لا ينبغي أن يكون فعلا للعبد حقيقة ، ولهذا أمر به ، وهو لا يأمر عبده بفعل نفسه سبحانه ، وإنما يؤمر العبد بفعله هو ، ومع هذا فليس فعله واقعا به ، وإنما هو بالخالق لكلّ شيء الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، فالتصبير منه سبحانه ، وهو فعله ، والصبر هو القائم بالعبد ، وهو فعل
--> ( 1 ) القائل شعيب عليه السلام ، ولعله أراد : وقوله في سورة هود .