ابن قيم الجوزية

169

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

في القرآن في موضعين ، هذا أحدهما . والثاني : في سورة الشعراء في قوله : وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ ( 198 ) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ( 199 ) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ( 200 ) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ ( 201 ) [ الشعراء ] . قال ابن عباس : سلك الشرك في قلوب المكذبين كما سلك الخرزة في الخيط . وقال أبو إسحاق : أي : كما فعل بالمجرمين الذين استهزءوا بمن تقدّم من الرّسل ، كذلك سلك الضلال في قلوب المجرمين . واختلفوا في مفسر الضمير في قوله : نسلكه ، فقال ابن عباس : سلكنا الشرك ، وهو قول الحسن . وقال الزجاج وغيره : هو الضلال . وقال الربيع : يعني الاستهزاء . وقال الفراء : التكذيب . وهذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد ، والتكذيب والاستهزاء والشرك كل ذلك فعلهم حقيقة ، وقد أخبر أنه سبحانه هو الذي سلكه في قلوبهم . وعندي في هذه الأقوال شيء ، فإنّ الظاهر أن الضمير في قوله : لا يؤمنون به ، هو الضمير في قوله : سلكناه ، فلا يصحّ أن يكون المعنى : لا يؤمنون بالشرك والتكذيب والاستهزاء ، فلا تصح تلك الأقوال إلا باختلاف مفسر الضميرين ، والظاهر اتحاده ، فالذين لا يؤمنون به ، هو الذي سلكه في قلوبهم ، وهو القرآن ، فإن قيل : فما معنى سلكه إياه في قلوبهم ، وهم ينكرونه قبل سلكه في قلوبهم بهذه الحال ، أي : سلكناه غير مؤمنين به ، فدخل في قلوبهم مكذبا به ، كما دخل في قلوب المؤمنين مصدقا به ، وهذا مراد من قال : إنّ الذي سلكه في قلوبهم هو التكذيب والضلال ، ولكن فسر الآية بالمعنى ، فإنه إذا دخل في قلوبهم مكذبين به ، فقد دخل التكذيب والضلال في قلوبهم ، فإن قيل : فما معنى إدخاله في قلوبهم ، وهم لا يؤمنون به ؟ قيل : لتقوم عليهم بذلك حجة اللّه ، فدخل في قلوبهم ، وعلموا أنه حقّ ، وكذّبوا به ، فلم يدخل في قلوبهم دخول مصدق به مؤمن به مرضي