ابن قيم الجوزية
165
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
عنها ، فبإلزامه التزموها ، ولولا إلزامه لهم إياها لما التزموها ، والتزامها فعل اختياري تابع لإرادتهم واختيارهم ، فهو الملزم وهم الملتزمون . فصل ومن ذلك قوله تعالى : * إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( 20 ) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ( 21 ) [ المعارج ] وهذا تفسير الهلوع ، وهو شدة الحرص الذي يترتب عليه الجزع والمنع ، فأخبر سبحانه أنه خلق الإنسان كذلك ، وذلك صريح في أن هلعه مخلوق للّه ، كما أن ذاته مخلوقة ، فالإنسان بجملته ذاته وصفاته وأفعاله وأخلاقه مخلوق للّه ، ليس فيه شيء خلق للّه وشيء خلق لغيره ، بل اللّه خالق الإنسان بجملته وأحواله كلها ، فالهلع فعله حقيقة ، واللّه خالق ذلك فيه حقيقة ، فليس اللّه سبحانه بهلوع ، ولا العبد هو الخالق لذلك . فصل ومن ذلك قوله تعالى : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ( 100 ) [ يونس ] وإذنه هاهنا قضاؤه وقدره ، لا مجرد أمره وشرعه ، كذلك قال السلف في تفسير هذه الآية . قال ابن المبارك ، عن الثوري : بقضاء اللّه . وقال محمد بن جرير : يقول جل ذكره لنبيه : وما لنفس خلقها من سبيل إلى أن تصدقك إلا أن يأذن لها في ذلك ، فلا تجهدن نفسك