ابن قيم الجوزية
160
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
فصل ومن ذلك قوله تعالى : فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ( 14 ) [ المائدة ] وقوله : وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ( 64 ) [ المائدة ] . وهذا الإغراء والإلقاء محض فعله سبحانه ، والتعادي والتباغض أثره ، وهو محض فعلهم ، وأصل ضلال القدرية والجبرية من عدم اهتدائهم إلى الفرق بين فعله سبحانه وفعل العبد ، فالجبرية جعلوا التعادي والتباغض فعل الرب ، دون المتعادين « 1 » والمتباغضين ، والقدرية جعلوا ذلك محض فعلهم الذي لا صنع للّه فيه ولا قدرة ولا مشيئة . وأهل الصراط السويّ جعلوا ذلك فعلهم ، وهو أثر فعل اللّه وقدرته ومشيئته ، كما قال تعالى : هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ( 22 ) [ يونس ] فالتسيير فعله ، والسير فعل العباد ، وهو أثر التسيير ، وكذلك الهدى والإضلال فعله ، والاهتداء والضلال أثر فعله ، وهما أفعالنا القائمة بنا ، فهو الهادي ، والعبد المهتدي ، وهو الذي يضل من يشاء ، والعبد الضال ، وهذا حقيقة ، وهذا حقيقة ، والطائفتان عن الصراط المستقيم ناكبتان .
--> ( 1 ) تحرفت في المطبوع إلى : « المتعاديين » .