ابن قيم الجوزية
158
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
عليه فيه ، واحتجوا بقوله : لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 25 ) [ الانشقاق ] قالوا أي : غير ممنون به عليهم ، إذ هو جزاء أعمالهم وأجورها . قالوا : والمنّة تكدّر النعمة والعطية ، ولم يدعوا هؤلاء للجهل باللّه موضعا ، وقاسوا منّته على منة المخلوق ، فإنهم مشبّهة في الأفعال معطّلة في الصفات ، وليست المنة في الحقيقة ، إلا للّه ، فهو المانّ بفضله ، وأهل سماواته وأهل أرضه في محض منته عليهم ، قال تعالى : يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 17 ) [ الحجرات ] وقال تعالى لكليمه موسى : وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى ( 37 ) [ طه ] وقال : وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلى مُوسى وَهارُونَ ( 114 ) [ الصافات ] وقال : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ( 5 ) [ القصص ] . ولما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم للأنصار : « ألم أجدكم ضلّالا فهداكم اللّه بي وعالة فأغناكم اللّه بي ؟ قالوا : اللّه ورسوله أمنّ » « 1 » . وقال الرسل لقومهم : إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ( 11 ) [ إبراهيم ] فمنّه سبحانه محض إحسانه وفضله ورحمته ، وما طاب عيش أهل الجنة فيها إلا بمنته عليهم ، ولهذا قال أهلها وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ( 25 ) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ ( 26 ) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ ( 27 ) [ الطور ] فأجزوا لمعرفتهم بربهم وحقه عليهم ، أن نجّاهم من عذاب السموم ، بمحض منته عليهم . وقد قال أعلم الخلق باللّه وأحبهم إليه وأقربهم منه وأطوعهم له : « لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله » قالوا : ولا أنت يا رسول اللّه ؟ قال : ولا أنا إلا
--> ( 1 ) رواه البخاري ( 4330 ) ، ومسلم ( 1061 ) عن عبد اللّه بن زيد بن عاصم .