ابن قيم الجوزية
153
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
فإنها لما كانت فيها قائمة بها ، نسبت إليها نسبة الصّحبة والملازمة . وقد اختلف في إعراب « من خلق » هو النصب أو الرفع ، فإن كان مرفوعا ، فهو استدلال على علمه بذلك ، لخلقه له ، والتقدير : إنه يعلم ما تضمّنته الصدور ، وكيف لا يعلم الخالق ما خلقه . وهذا الاستدلال في غاية الظهور والصحة ، فإنّ الخلق يستلزم حياة الخالق وقدرته وعلمه ومشيئته . وإن كان منصوبا ، فالمعنى : ألا يعلم مخلوقه ؟ وذكر لفظة « من » تغليبا ، ليتناول العلم العاقل وصفاته على التقديرين ، فالآية دالّة على خلق ما في الصدور ، كما هي دالة على علمه سبحانه به ، وأيضا فإنه سبحانه خلقه لما في الصدور دليلا على علمه بها ، فقال : ألا يعلم من خلق ؟ ! أي : كيف يخفى عليه ما في الصدور ، وهو الذي خلقه ؟ ! فلو كان ذلك غير مخلوق له ، لبطل الاستدلال به على العلم ، فخلقه سبحانه للشيء من أعظم الأدلة على علمه به ، فإذا انتفى الخلق انتفى دليل العلم ، فلم يبق ما يدل على علمه بما ينطوي عليه الصدر إذا كان غير خالق لذلك ، وهذا من أعظم الكفر برب العالمين ، وجحد لما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى آخرهم ، وعلم بالضرورة أنهم ألقوه إلى الأمم كما ألقوا إليهم أنه إله واحد ، لا شريك له . فصل ومن ذلك قوله تعالى ، حكاية عن خليله إبراهيم أنه قال : رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ( 40 ) [ إبراهيم ] وقوله : فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ( 37 ) [ إبراهيم ] وقوله تعالى : وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ( 27 ) [ الحديد ] وقوله حكاية عن زكريا أنه قال عن ولده وَاجْعَلْهُ