ابن قيم الجوزية

151

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

فصل وقد أخبر سبحانه أنه هو الذي جعل أئمة الخير ، يدعون إلى الهدى ، وأئمة الشر يدعون إلى النار ، فتلك الإمامة والدعوة بجعله ، فهي مجعولة له ، وفعل لهم ، قال تعالى عن آل فرعون وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ( 41 ) [ القصص ] وقال عن أئمة الهدى وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا ( 73 ) [ الأنبياء ] فأخبر أن هذا وهذا بجعله ، مع كونه كسبا وفعلا للأئمة ، ونظير ذلك قول الخليل رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ( 128 ) [ البقرة ] فأخبر الخليل أنه سبحانه هو الذي يجعل المسلم مسلما . وعند القدرية هو الذي جعل نفسه مسلما ، لا أن اللّه جعله مسلما ، ولا جعله إماما يهدي بأمره ، ولا جعل الآخر إماما يدعو إلى النار على الحقيقة ، بل هم الجاعلون لأنفسهم كذلك حقيقة ، ونسبة هذا الجعل إلى اللّه مجاز بمعنى التسمية ، أي : سمّنا مسلمين لك ، وكذلك جعلناهم أئمة ، أي : سميناهم كذلك ، وهم جعلوا أنفسهم أئمة رشد وضلال ، فمنهم الحقيقة ومنه المجاز والتعبير . فصل ومن ذلك إخباره سبحانه بأنه هو الذي يلهم العبد فجوره وتقواه . والإلهام : الإلقاء في القلب ، لا مجرد البيان والتعليم ، كما قاله طائفة من المفسرين ، إذ لا يقال لمن بيّن لغيره شيئا ، وعلّمه إياه ، أنه قد ألهمه ذلك ،