ابن قيم الجوزية
142
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
غير فاعل لأفعال العباد ، واختلفوا : هل يوصف بأنه مخترعها ومحدثها ، وأنه قادر عليها وخالق لها ؟ فجمهورهم نفوا ذلك ، ومن يقرب منهم إلى السنة أثبت كونها مقدورة للّه ، وأن اللّه سبحانه قادر على أعيانها ، وأن العباد أحدثوها بإقدار اللّه لهم على إحداثها ، وليس معنى قدرة اللّه عليها عندهم أنه قادر على فعلها ، هذا عندهم عين المحال ، بل قدرته عليها إقدارهم على إحداثها ، فإنما أحدثوها بقدرته وإقداره وتمكينه ، وهؤلاء أقرب القدرية إلى السنة . وأرباب هذه المذاهب ، مع كلّ طائفة منهم خطأ وصواب ، وبعضهم أقرب إلى الصواب ، وبعضهم أقرب إلى الخطأ ، وأدلة كل منهم وحججه إنما تنهض على بطلان خطأ الطائفة الأخرى ، لا على إبطال ما أصابوا فيه ، فكل دليل صحيح للجبرية ، إنما يدلّ على إثبات قدرة الرب تعالى ومشيئته ، وأنه لا خالق غيره ، وأنه على كل شيء قدير ، لا يستثنى من هذا العموم فرد واحد من أفراد الممكنات ، وهذا حق ، ولكن ليس معهم دليل صحيح ينفي أن يكون العبد قادرا مريدا فاعلا بمشيئته وقدرته ، وأنه هو الفاعل حقيقة ، وأفعاله قائمة به ، وأنها فعل له لا للّه ، وأنها قائمة به لا باللّه . وكل دليل صحيح بقيمه القدرية ، فإنما يدل على أنّ أفعال العباد فعل لهم ، قائم بهم ، واقع بقدرتهم ومشيئتهم وإرادتهم ، وأنهم مختارون لها غير مضطرين ولا مجبورين ، وليس معهم دليل صحيح ينفي أن يكون اللّه سبحانه قادرا على أفعالهم ، وهو الذي جعلهم فاعلين . فأدلّة الجبرية متضافرة صحيحة على من نفى قدرة الرب سبحانه على كل شيء من الأعيان والأفعال ، ونفى عموم مشيئته وخلقه لكلّ موجود ، وأثبت في الوجود شيئا بدون مشيئته وخلقه ، وأدلة القدرية متضافرة صحيحة على من نفى فعل العبد وقدرته ومشيئته واختياره ، وقال : إنه ليس بفاعل شيئا ، واللّه يعاقبه على ما