ابن قيم الجوزية

111

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

أعمالهم ، فيكون المتولد عنها ، كأنهم عملوه في الخير والشر ، وهو أثر أعمالهم ، فآثارهم هي آثار أعمالهم المتولدة عنها ، وهذا القول أعمّ من قول مقاتل ، وكأن مقاتلا أراد التمثيل والبيان ، على عادة السلف في تفسير اللفظة العامة بنوع أو فرد من أفراد مدلولها تقريبا وتمثيلا لا حصرا وإحاطة . وقال أنس وابن عباس في رواية عكرمة : نزلت هذه الآية في بني سلمة ، أرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد ، وكانت منازلهم بعيدة ، . فلما نزلت قالوا : بل نمكث مكاننا . واحتج أرباب هذا القول بما في صحيح البخاري ، من حديث أبي سعيد الخدري قال : كانت بنو سلمة في ناحية المدينة ، فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد ، فنزلت هذه الآية : « إنّا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدّموا وآثارهم » فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم » « 1 » . وقد روى مسلم في صحيحه نحوه من حديث جابر وأنس « 2 » . وفي هذا القول نظر ، فإن سورة يس مكية ، وقصة بني سلمة بالمدينة إلا أن يقال : هذه الآية وحدها مدنية ، وأحسن من هذا أن تكون ذكرت عند هذه القصة ، ودلت عليها ، وذكّروا بها عندها إما من النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وإما من جبريل ، فأطلق على ذلك النزول . ولعل هذه مراد من قال في نظائر ذلك : نزلت مرتين ، والمقصود أن خطاهم إلى المساجد من آثارهم التي يكتبها اللّه لهم .

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 655 ) و ( 656 ) و ( 1887 ) عن أنس ، ولفظه : « يا بني سلمة ألا تحتسبون آثاركم » . ولم أره عن أبي سعيد ، ثم إن اللفظ الذي ساقه المؤلف مما رواه مسلم ، وانظر ما بعده . ( 2 ) رواه مسلم ( 665 ) عن جابر بن عبد اللّه .