ابن قيم الجوزية
109
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
الباب الحادي عشر في ذكر المرتبة الثانية وهي مرتبة الكتابة وقد تقدم في أول الكتاب ما دل على ذلك ، من نصوص القرآن والسنة الصحيحة الصريحة ، فنذكر هنا بعض ما لم نذكره ، قال تعالى : وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ( 105 ) إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ ( 106 ) [ الأنبياء ] . فالزبور هنا جميع الكتب المنزلة من السماء ، لا تختص بزبور داود . والذّكر : أمّ الكتاب الذي عند اللّه . والأرض : الدنيا . وعباده الصالحون : أمة محمد صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، هذا أصح الأقوال في هذه الآية ، وهي علم من أعلام نبوة رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، فإنه أخبر بذلك بمكة ، وأهل الأرض كلهم كفار أعداء له ولأصحابه ، والمشركون قد أخرجوهم من ديارهم ومساكنهم ، وشتّتوهم في أطراف الأرض ، فأخبرهم ربهم تبارك وتعالى أنه كتب في الذّكر الأول ، أنهم يرثون الأرض من الكفار ، ثم كتب ذلك في الكتب التي أنزلها على رسله . والكتاب قد أطلق عليه الذكر في قول النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، في الحديث المتفق على صحته : « كان اللّه ولم يكن شيء غيره ، وكان عرشه