ابن قيم الجوزية
103
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
واجتبائه ، وأنه محبوب لنا مقرب عندنا ، ولهذا قال في قصة قارون أَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ( 78 ) [ القصص ] . فلو كان إعطاء المال والقوة والجاه ، يدل على رضاء اللّه سبحانه عمن آتاه ذلك ، وشرف قدره ، وعلو منزلته عنده ، لما أهلك من آتاه من ذلك أكثر مما آتى قارون ، فلما أهلكهم مع سعة هذا العطاء وبسطته ، علم أن عطاءه إنما كان ابتلاء وفتنة ، لا محبة ورضا واصطفاء لهم على غيرهم ، ولهذا قال في الآية الأخرى : بل هي فتنة ، أي : النعمة فتنة ، لا كرامة ، ولكن أكثرهم لا يعلمون . ثم أكد هذا المعنى بقوله قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 50 ) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا ( 51 ) [ الزمر ] أي : قد قال هذه المقالة الذين من قبلهم ، لمّا آتيناهم نعمنا قال : قال ابن عباس : كانوا قد بطروا نعمة اللّه إذ آتاهم الدنيا ، وفرحوا بها وطغوا ، وقالوا : هذه كرامة من اللّه لنا . وقوله فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ، المعنى : أنهم ظنوا أن ما آتيناهم لكرامتهم علينا ، ولم يكن كذلك ، لأنهم وقعوا في العذاب ، ولم يغن عنهم ما كسبوا شيئا ، وتبين أن تلك النعم لم تكن لكرامتهم علينا ، وهو أن من منعناه إياها . وقال أبو إسحاق : معنى الآية أن قولهم إنما آتانا اللّه ذلك لكرامتنا عليه ، وإنا أهله ، أحبط أعمالهم ، فكنى عن إحباط العمل بقوله فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 50 ) [ الزمر ] ثم أبطل سبحانه هذا الظن الكاذب منهم بقوله أَ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ ( 52 ) [ الزمر ] . والمقصود أن قوله : على علم عندي ، إن أريد به علمه نفسه ، كان