ابن قيم الجوزية
10
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
فصل ثم نبغت طائفة أخرى من القدرية ، فنفت فعل العبد وقدرته واختياره ، وزعمت أنّ حركته الاختيارية ، ولا اختيار ، كحركة الأشجار عند هبوب الرياح وكحركات الأمواج ، وأنه على الطاعة والمعصية مجبور ، وأنه غير ميسّر لما خلق له بل هو عليه مقسور ومجبور ، ثم تلاهم أتباعهم على آثارهم مقتدين ولمناهجهم مقتفين ، فقرروا هذا المذهب وانتموا إليه وحقّقوه وزادوا عليه أنّ تكاليف الرب تعالى لعباده كلها تكليف ما لا يطاق وأنها في الحقيقة كتكليف المقعد أن يرقى إلى السبع الطباق . فالتكليف بالإيمان وشرائعه تكليف بما ليس من فعل العبد ولا هو له بمقدور ، وإنما هو تكليف بفعل من هو متفرد بالخلق وهو على كل شيء قدير ، فكلّف عباده بأفعاله ، وليسوا عليها قادرين ، ثم عاقبهم عليها وليسوا في الحقيقة لها فاعلين ، ثم تلاهم على آثارهم محقّقوهم من العباد ، فقالوا : ليس في الكون معصية البتة إذ الفاعل مطيع للإرادة موافق للمراد كما قيل : أصبحت منفعلا لما يختاره * مني ففعلي كلّه طاعات ولاموا بعض هؤلاء على فعله فقال : إن كنت عصيت أمره ، فقد أطعت إرادته ، ومطيع الإرادة غير ملوم ، وهو في الحقيقة غير مذموم ، وقرر محققوهم من المتكلمين هذا المذهب بأنّ الإرادة والمشيئة والمحبة في حق الرب سبحانه هي واحد ، فمحبته هي نفس مشيئته ، وكلّ ما في الكون فقد أراده وشاءه وكلّ ما شاءه فقد أحبه . وأخبرني شيخ الإسلام قدس اللّه روحه أنه لام بعض هذه الطائفة على